الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

357

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

إن القرآن : هو الجمعية الكبرى للعلم الإلهي الأقدس ، وهو كلامه القديم الذي لا نعلم له كنهاً ولا كيفية . ف - « هو صفة أزلية . ليس من جنس الحروف والأصوات » « 1 » . وكان لابد أن ين - زل هذا الكلام القديم ( القرآن ) إلى الخلق من أحديته المطلقة إلى تفرقته وتفصيله ، فكان أن ظهر بهيئة الحروف والأصوات الدالة على المعاني المطلقة ، فهو من حيث مظهره مقيد بحروف محددة وأصوات ذات نغمات ثابتة ، ومن حيث معانيه مطلق غير متناهٍ ، وهو بهذه الكيفية جمع في معناه ومبناه بين الصفة المطلقة ومظهرها . « القرآن : إن عنينا به كلام الله تعالى فهو غير مخلوق والقول بذلك كفر ، لأنه صفة الله تعالى ويستحيل اتصافه بالحوادث ، وإن عنينا به ما يدل عليه من ملفوظ ومحفوظ ومخيل في الذهن فهو حادث ، لأنه يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والحوادث » « 2 » . فكان قديماً باعتباره صفةً ، وحادثا باعتباره مظهراً لتلك الصفة ، وليس المظهر إلا مراحل التن - زل والظهور في صور المحدثات ( الذهني واللفظي والخطي ) . ولقد تحرج سلف الأئمة من هذا التفصيل سداً للذرائع حتى لا يهجم الذين يصعب عليهم التمييز على القول بخلق القرآن ، ويدل على هذا أن الإمام أحمد بن حنبل قال : « يحتمل أن يكون تن - زيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه هو المحدث » « 3 » . فصفة الكلام الإلهي له متعلقان : أحدهما : متعلق بالله تعالى باعتباره صفة ذاتية ، فهو قديم من هذه الناحية . وثانيهما : متعلق بالمكلفين المخاطبين باعتباره مظهراً للصفة ، فهو حادث من هذه الناحية . إن هذه الازدواجية في صفة الكلام الإلهي تكشف لنا حقيقة العلاقة بين الذات والعالم ، إذ أنها تتوسط بينهما فتقابل الذات الأحدية بالإطلاق في الوجود والمعرفة ، وتقابل العالم بالتقيد في ذلك .

--> ( 1 ) - 2 - د . عبد الملك السعدي شرح النسفية - ص 86 . ( 2 ) - المصدر نفسه - ص 90 . ( 3 ) - وأيد البيهقي صحة تأويل أحمد في الأسماء والصفات - ص 235 .